الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

83

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ونقول بمقالتهم الخاطئة ، وما كنا نظنهم يتجرؤون على الله بهذه الأكاذيب ، ولكننا الآن نخطئ هذا التقليد المزيف لما عرفنا من الحق والإيمان بالقرآن ، ونقر بما التبس علينا ، بانحراف المشركين من الجن . ثم ذكروا إحدى الانحرافات للجن والإنس وقالوا : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا . " رهق " على وزن ( شفق ) ويعني غشيان الشئ بالقهر والغلبة ، وفسر بالضلال والذنب والطغيان والخوف الذي يسيطر على روح الإنسان وقلبه ويغشيه ، وقيل إن هذه الآية تشير إلى إحدى الخرافات المتداولة في الجاهلية ، وهي أن الرجل من العرب كان إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال : أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه ( 1 ) . وبما أن الخرافات كانت منشأ لازدياد الإنحطاط الفكري والخوف والضلال فقد جاء ذكر هذه الجملة في آخر الآية وهي : فزادوهم رهقا . وذكر في الآية رجال من الجن مما يستفاد منه أن فيهم إناثا وذكورا ( 2 ) ، على كل حال فإن للآية مفهوما واسعا ، يشمل جميع أنواع الالتجاء إلى الجن ، والخرافة المذكورة هي مصداق من مصاديقها ، وكان في أوساط العرب كهنة كثيرون يعتقدون أن الجن باستطاعتهم حل الكثير من المشاكل وإخبارهم بالمستقبل . * * *

--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 369 ، وروح المعاني ، ج 28 ، ص 85 . 2 - نقل عن بعضهم في تفسير الآية أعلاه أن لجوء جماعة من الإنس بالجن أدي إلى أن يتمادى الجن في طغيانهم وظنوا أن بيدهم زمام الأمور المهمة ، والتفسير الأول أوجه ( والضمير حسب التفسير الأول في ( زادوا ) يرجع إلى الجن ، والضمير " هم " يرجع إلى الإنس ، بعكس التفسير الأول ) .